🔴☀️أعمدة الكنيسة☀️🔴 نُعيِّد اليوم ٣٠ كا٢ لأعمدة الكنيسة الآباء الرجال المجاهدين وأمهاتهم. باسيليوس الكبير، رئيس أساقفة قيصريّة الكبادوك، غريغوريوس اللاهوتيّ، أسقف نزينز ورئيس أساقفة القسطنطينيّة، ويوحنّا الذهبيّ الفم الأنطاقيّ، ورئيس أساقفة القسطنطينيّة. يعرف هذا اليوم عند الأرثوذكس بعيد "أطباء الكنيسة ومعلّميها " أو عيد المدارس اللاهوتيّة والكنسيّة .
يعود تاريخ هذا العيد إلى زمن الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأوّل كومنينوس (1081- 1118م). في تلك الأيام برز خلاف حاد في كنيسة المسيح في القسطنطينية بين المعلّمين بشأن آبائنا القدّيسين ومعلّمي المسكونة العظام باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الذهبي الفم.
تمحور الخلاف حول من هو الأبرز فيهم.
الفريق الأوّل أعطى الأسبقية لباسيليوس الكبير لأنه اعتبره أكثر الخطباء رفعة، متفوّقاً في الكلمة والعمل، ورأى فيه إنساناً ينقص قليلاً عن الملائكة، سويّ المزاج، لا يغفر الخطايا بيسر، وهو غريب عن كل ما هو أرضي. وقد عرف كيف يفسِّر أسرار الطبيعة كما لم يفسِّرها آخر. وهو منظّم الرهبانية وقائد الكنيسة برمّتها في صراعها ضدّ الهرطقة، وراع متنسّك متطلّب في شأن نقاوة السيرة. الذهبي الفم، في نظر هذا الفريق، يأتي دون باسيليوس لأنه رخو مع الخطأة وهو مستعد لأن يسامح بسهولة ويسر.
الفريق الثاني رفع شأن الذهبي الفم فوق سواه لأنه اعتبره أكثر الناس محبة، وأكثرهم فهماً لضعف الطبيعة البشريّة. وكخطيب مفوّه أرشد الجميع إلى التوبة عبر مواعظه الفيّاضة المحلاّة بالعسل. شرح الكلمة الإلهية وبيّن كيفية تجسيدها في الحياة اليومية بمهارة لا يدانيه فيها أي من الأبوين الباقيين. وهو متفوق في البلاغة. حسبه أنه "الذهبي الفم"!
أما الفريق الثالث فاعتبر القدّيس غريغوريوس اللاهوتي أرفع من سواه لعظمة لغته وصفائها وعمقها. وهو إذ ملك حكمة اليونان وبلاغتهم بلغ درجة من التأمّل في الله لم يعرفها أحد سواه ولا عبّر أحد غيره، بمثل هذا السمو، عن عقيدة الثالوث القدّوس.
ولم يبق الخلاف في مستوى المعلّمين والمفكّرين بل انتقل إلى عامة الشعب. برز ما يشبه الأحزاب. هذا باسيلي وذاك يوحنائي وذلك غريغوري. ونتجت عن الخلاف اضطرابات ومشاحنات أقلقت الكنيسة. إثر ذلك ظهر القدّيسون الثلاثة للأسقف يوحنا موروبوس، متروبوليت أوخاييطا. ظهروا لا في الحلم بل في رؤيا، أولاً كلاً على حدة ثم مجتمعين. قالوا له: "نحن متساوون أمام الله كما ترى. لا انقسام بيننا ولا تعارض. كل منا تعلّم، في زمانه، من الروح القدس، ثم كتب وتكلّم بما يوافق خلاص الناس. ما تعلّمناه سرِّاً أفضينا به للناس جهراً. ليس أول ولا ثان بيننا. فلو جئت على ذكر أي منا فإن الآخرين يتّفقان معه. لذلك مرْ المستغرقين في الجدل بشأننا أن يضعوا حداً للخلاف فيما بينهم فإننا كما كنا في الحياة نبقى بعد الرقاد مهتمّين بإحقاق السلام والاتفاق في كل أطراف المسكونة. لهذا السبب اجعل التعييد لنا في يوم واحد... وأعلم الناس إن لنا مكانة واحدة عند الله".
ولما قال الآباء الثلاثة هذا أخذوا يصعدون إلى السماء وهم يتلألأون بنور لا يوصف وينادون أحدهم الآخر بالاسم.
للحال عمل يوحنا الأسقف على جمع المتخاصمين وسعى، بطرقه الخاصة، وبما لديه من رصيد طيّب وصيت حسن، إلى وضع حدّ للخلاف فيما بينهم. وقد عيّن للقدّيسين الثلاثة عيداً واحداً جامعاً، كما طلبوا، في الثلاثين من كانون الثاني، بعدما جرى التعييد لباسيليوس الكبير في أول كانون الثاني ولغريغوريوس اللاهوتي في الخامس والعشرين منه وليوحنا الذهبي الفم في السابع والعشرين.
على هذا النحو فُضّ الخلاف ووضعت للمناسبة خدمة جليلة دونك منها هذا البيت: "من ذا الذي هو أهلٌ لأن يفتح شفتيه ويحرّك لسانه. نحو النافثين ناراً بقوة الكلمة والروح. لكني أتجاسر مقتصراً على وصفهم هكذا. إن هؤلاء الثلاثة قد فاقوا الطبيعة البشريّة بجملتها. بالنعم الغزيرة العظيمة وبالعمل والنظر. فتساموا بهاءً في كلا الأمرين. فلذلك قد أهّلتهم لمواهب عظيمة بما أنهم خدّام لك أمناء. أيها الممجَّد قدّيسيه وحدك".
شكّل الأقمار الثلاثة نماذج مختلفة. فباسيليوس الكبير (+ ٣٨٩) رجل كنيسة مجتهد ومفكّر صلب وراعٍ عطوف، ومدافع متين عن الأرثوذكسيّة وقائد رهبانيّ.
أمّا غريغوريوس اللاهوتيّ (+٣٨٩) فكان صديقه الأقرب.
التقيا في جامعة أثينا حيث درسا الأدب والخطابة والفلسفة ، وهجرا كلّ شيء من أجل إتّباع المسيح. وبعد أن قضيا سويّة زمناً من الوحدة الرهبانيّة ، حمل باسيليوس لواء الدفاع عن ألوهيّة المسيح كما حدّدها مجمع نيقية. وصار أسقفاً وضغط على صديقه العزيز حتّى يصير أسقفاً أيضاً لكي يدافعا عن الإيمان الأرثوذكسي.
كان غريغوريوس إنساناً مرهفاً تأمليّاً ، وشاعراً. رقيق الإحساس. لم ينجح كثيراً كراع، كلكنّه لاهوتيّ عظيم . عظاته حول الثالوث القدّوس التي ألقاها على جماعة صغيرة من المؤمنين الأرثوذكس في القسطنطينيّة، عندما كانت كاتدرائيّتها وجموع المدينة الغفيرة بيد الهراطقة الآريوسيّين، بقيت من كلاسيكيّات اللاهوت الأرثوذكسيّ.
يوحنّا الذهبيّ الفم (+ ٤٠٧) كان مبشّراً ناريّاً. دعي بالذهبيّ الفم، لأنّه أعطي موهبة الخطابة. القديّس يوحنّا أرثوذكسيّ صلب في كلّ تعاليمه، لكنّه لم يسمّ
لاهوتيّاً. يُذكر ويُمدح بالأكثر على تعاليمه في الحياة المسيحيّة، وكليماته النبويّة حول الشرّ واللاعدالة، ورعايته الفقراء والمظلومين، ومواقفه الشجاعة أمام الذين
يمزّقون إنجيل المسيح ويخونونه، خصوصاً أصحاب المراكز العليا والمسؤوليات الرفيعة. مات في المنفى، مبعداً عن كنيسته في العام ٤٠٧ .
أحاطت الأقمار الثلاثة جماعة صغيرة من المؤمنين المؤيّدين لهم، بمن فيهم أعضاء عائلاتهم، الذين ساعدوهم وألهموهم في سائر أعمالهم، أم القديّس باسيليوس وجدّته،
إميليا ومكرينا، وأخته مكرينا مع أخيه غريغوريوس النيصصيّ أيضاً أعتبروا من قدّيسي الكنيسة. القدّيس باسيليوس وأخوه غريغوريوس إعتبرا أختهما مكرينا
معلّمتهما العظمى. أُمّ القديس غريغوريوس اللاهوتيّ نونا قدّيسة أيضاً. قال الأب القدّيس في رثاء والدته إنّ كلّ ما عنده في الربّ قد أعطته إيّاه أمّه، بما في ذلك حياته
الروحيّة وليس حياته الجسديّة فقط. أخت القديس غريغوريوس ثيوسيبيا، التي يظنّ البعض أنّها كانت زوجة القديّس غريغوريوس النزينزيّ، مدحها أخوها وسمّاها
" أعظم من الكهنة "، مع أختها غورغونيا. أنثوسا أمّ القديّس يوحنّا الذّهبيّ الفم هي قدّيسة أيضاً. صديقه الأفضل وزميله في الخدمة كان امرأة هي الشمّاسة أولمبيا،التي أهداها أكثر رسائله تأثيراً في نهاية حياته. لهذا نجد هؤلاء الأساقفة العظام لاهوتيّين ومبشّرين ما كانوا وحيدين في جهادهم. كانوا بحسّ واقعيّ نتاج مجتمع
إيمان، وتقوى وعلم، كما نتاج قادة ومعلّمين.
إذا تأمّلنا في حياة القدّسين باسيليوس وغريغوريوس ويوحنّا وأعمالهم نتأكّد، أكثر من أيّ شيء آخر، كيف أنّ مجموعة صغيرة من المؤمنين تستطيع أن تفعل الكثير
لتهذيب الكنيسة وفائدتها ولأجل خلاص النفوس. نستطيع أن نرى أيضاً كيف أنّ ما من أحد يستطيع أن يعيش في عزلة، وكيف أنّ القدّيسين العظام احتاجوا إلى قدّيسين آخرين يلهمونهم ويشجّعونهم، يرشدونهم ويدعونهم في خدمتهم.
نلمس أيضاً أنّ الذكاء والعلم ليسا كافيين. عقول الناس يجب أنّ تتكرّس لله والحكمة الإلهيّة والحقّ، لكن على المرء أن يحبّ الله ليس من كلّ عقله فقط، بل من كلّ قلبه
ونفسه وقوّته أيضاً. عرف الأقمار الثلاثة النسك والصلاة الحارّة. كانوا رجال كنيسة، لا رجال أكاديميّة. لم يرغبوا بالتبشير فقط، إنّما بتطبيق ما يُبشّرون به، لا بالكلام فقط
بل بالعمل أيضاً لا بالعمل أيضاً فقط بل بالتألّم من أجل كلمة الله الذي أتى بذاته إلى العالم لا ليبشّر فقط بل ليتألّم ويموت من أجل خلاص الجميع.
اتّسم الزمن الذي عاش فيه هؤلاء القديّسون الثلاثة بالإضطراب في الكنيسة.
لم يكن ، بالتأكيد، أقلّ ظلاماً وقلقاً من زمننا الحاضر، وربّما حتّى كان أكثر منه في نواحٍ عديدة. لكن هؤلاء الرجال، والنساء اللواتي وقفن إلى جانبهم، كانوا
قادرين على حفظ أمانتهم حتّى النهاية. لأنّه بسبب هؤلاء الناس في الماضي، نحن عندنا حياة مسيحيّة في كنيسة اليوم.
" لنكرّمنّ كما يليق آلات النعمة وقيثارات الروح
وأبواق الكرازة الحسنة النغمة
والرعود القاصفة من العلاء
بالأمور المخوفة والمشتهرة
المذيعة في الأقطار مجد الله
أعني باسيليوس وغريغوريوس مع يوحنّا
الثلاثة الكارزين بالثالوث العظيم "
" يكرَّم بحسب الواجب المناضلون عن الثالوث
ونموذج العبادة الحسنة
الرسل الثلاثة بعد الإثني عشر
الأنهار المتدّفقة بالماء الحيّ من عدن
والمرويّة وجه الأرض بمجاريها الإلهيّة
المفيضة الحياة والعناصر العظيمة
الناظمة الإيمان بمثابة خليقة "
"لنبوّق ببوق النشائد
ونتهلّل في التعييد
ونتباشر مبتهجين
بموسم معلّمينا الكّلّيي الاحتفال
وليبادر الملوك والرؤساء ويقرّظوا بالمدائح
رؤساء الكهنة
بما أنّهم يفيضون ثلاثة أنهار فائقة العظمة
للعقائد حسنة التسلسل
ومحيية للروح على الدوام".
"لنجتمع أيّها الرعاة والمعلمون
ونمدح الثلاثة الأمناء على أسرار الثالوث الموقرّ الشريفة
وليمدح محبّو الحكمة الحكماء
والكهنة الرعاة
والخطأة الشفعاء
والمساكين المغنّين
والحزانى المعزّين
والمسافرون الرفقاء
والذين في البحر المدبّرين
ونحن جميعاً فلنقرّظ رؤساء الكهنة الإلهيّين
الملبّين بحرارة في كلّ مكان
قائلين هكذا
أيّها المعلّمون الكلّيو القداسة
تداركوا في نجاتنا نحن المؤمنين من معاثر العمر
وإنقاذنا من التعذيبات الأبديّة ".
طروبارية للأقمار الثلاثة باللحن الرابع
بما أنكم مشابهو الرسل في أحوالهم. ومعلمو المسكونة. فتشفعوا إلى سيد الكل. أن يمنح السلامة للمسكونة. ولنفوسنا الرحمة العظمى.
طروبارية الأقمار الثلاثة باللحن الأول
" هلمّوا بنا نلتئم جميعاً ونكرّم بالمدائح الثلاثة الكواكب العظيمة للاهوت المثلّث الشموس الذين أناروا المسكونة باشعّة العقائد الإلهيّة أنهار الحكمة الجارية عسلاً الذين روَّوا الخليقة كلّها بمجاري المعرفة الإلهيّة أعني بهم باسيليوس العظيم، وغريغوريوس المتكلّم بالإلهيّات مع يوحنّا المجيد الذهبيّ اللسان لأنّهم يتشفّعون إلى الثالوث من أجلنا نحن المحبّين أقوالهم "
قنداق باللحن الأول
لقد نقلتَ لراحتك يا رب والتمتّع بخيراتك، الكارزينَ الأطهار والناطقين بالإلهيات،
وهام المعلمين، لأنكَ تقبَّلتَ أتعابهم ومشاقهم أفضل من كل محرقة، أيها الممجِّد قديسيه وحدك.

تعليقات
إرسال تعليق