٢٩ نيسان تذكار الطوباويّة أنّـــا تشرزانوفسكا المعترفة ‏(Bienheureuse Anna Chrzanowska) وُلِدت أنّــا في 7 تشرين الأوّل 1902 في فرسوفيا – بولونيا، في عائلة ميسورة. والدها كان أستاذًا جامعيًّا. وكانت أمّها تعاون في مشفًى صغير تملكه أختها "صوفيا". سنة 1910، إضطُرّت العائلة للانتقال إلى كراكوفيا بسبب استدعاء والدها للتعليم في جامعات المدينة المذكورة، حيث تابعت أنّــا دروسها كافّةً، حائزةً على أعلى علامات التقدير، وكانت مسيحيّةً ملتزمةً التزامًا جذريًّا. بعد أن أنهت دروسها، عادت إلى مدينتها فرسوفيا، وتسجّلت في دورةٍ تدريبيّة للتمريض للانضمام إلى الصليب الأحمر، وذلك رغبةً منها بالتطوّع في المستشفيات للاهتمام بجرحى الحرب الدائرة بين بولونيا وروسيا في حينها. سنة 1920، تسجّلت في كليّة التمريض في فرسوفيا، ونالت شهادتها عام 1924 ؛ وتقديرًا لذكائها، حصلت على منحةٍ للدراسة في فرنسا وبلجيكا. بعد عودتها، علّمت بين سنة 1926 و1929، في معهد كراكوفيا للتمريض، كي تكون قريبةً من والدَيها، وكانت تكتب مقالات في مجلّة تمريض تصدر شهريًّا. كانت بارعةً في الكتابة، فقد كتبت روايتين بين 1934 و1938: "مفتاح الفردوس" و"صليبٌ في الرمال". سنة 1939، ومع اندلاع الحرب العالميّة الثانية، بدأت المصائب تتوالى على أنّــا: فقد فقدت خالتها "صوفيا"، واعتقل الألمان والدَها بهدف القضاء على رجال الفكر والمعلّمين البولونيّين، وقتلوه في كانون الثاني 1940. وبعد ثلاثة أشهر، قُتِل أخوها "بوهدان" على يد القوّات الروسيّة. ولكنّها عَزَمَت على تكريس نفسها لخدمة المرضى باحثةً عن وجه الربّ يسوع المتألّم في وجه كلّ مريض، كلّ لاجئ، كلّ سجين وكلّ مشرّد. أَوْلَت اهتمامًا خاصًّا للأطفال اليتامى والجائعين. كان تعمل من دون تعب أو تردّد أو قنوط، وكانت، إضافةً لكلّ عملها، تكرّس وقتًا للصلاة الشخصيّة والسجود أمام القربان المقدّس. عيّنتها وزارة الصحّة البولونيّة بين 1947 و1950، أستاذةً محاضِرةً في كليّة التمريض، وكانت تحثّ طلّابَها على تنمية الجانب الإنسانيّ للممرّض، وكيف عليه أن يحافظَ على كرامة المريض بضمير مهنيّ واعٍ ومسؤول. كَتَبَتْ في مذكّراتها: "إنّ شغليَ الشاغل ليس مهنة التمريض وحسب، بل دعوتي أيضًا: وسأفهم هذه الدعوة عندما أَلِجُ أعماق كلام المسيح، وأتمثّل به عندما قال: جئتُ لا لكي أُخْدَمَ بل لكي أَخْدُمَ". سنة 1951، عُيِّنَت نائبة عميد كليّة التمريض. بعد أربع سنوات، بدأت تُلقي محاضراتٍ روحيّة للممرّضات. سنة 1957، تمّ التخلّي عن خدماتها في كليّة التمريض، ممّا اضطرّها إلى التوقّف عن العمل. ولكنّ الربّ كان يحضّر لها برنامجًا آخر: بعد أن تعبت من البقاء في المنزل من دون عمل، وضع الربّ في دربها الأب "كارول فويتيلا" (البابا المستقبليّ يوحنّا بولس الثاني)، الذي دلّها على كاهنٍ يرغب في أن يفتتح في رعيّته مستوصفًا للاهتمام بالمرضى والمتألّمين. وهكذا، بدأت أنّـــا عملًا تمريضيًّا أعاد إليها الحياة، وذاع صيتُها في كلّ كراكوفيا، وكان يتوافد إليها المتطوّعون لمدّ يد المساعدة من ممرّضين، وراهبات وكهنة وأطبّاء وإكليريكيّين ومعلّمين وطلّاب. فتوسّع عملها إلى مدًى كبير، وصارت تُقيم المحاضرات والرياضات الروحيّة للمرضى، وكانت تعمل على تأمين الكهنة لهم للإعتراف بخطاياهم وللمشاركة بالذبيحة الإلهيّة. وبعد حياةٍ مليئة بالعطاء والتضحية، بدأت ملامح التعب تظهر على أنّـــا. فشخّص الأطبّاء سنة 1963، أنّها تعاني من ورمٍ خبيث. حملت صليب ألمها ومرضها بفرح، وبقيت تخدم المرضى بقدر ما تسمح به صحّتُها. رَقَدَتْ بالربّ في 29 نيسان 1973. وقد ترأّس مراسم دفنها الكاردينال "كارول فويتيلا"، رئيس أساقفة كراكوفيا وقتها، وقد قال في عظته: "أنّـــا، شكرًا لكِ، لأنّكِ كنتِ بيننا، ببساطتكِ الكبيرة، بسلامِكِ الداخليّ، بحرارة إيمانكِ، تجسيدًا للتطويبات التي أعلنها يسوع في عظته على الجبل، وخصوصًا تلك التي تقول: طوبى للرحماء...". أعلنها البابا فرنسيس طوباويّةً في 28 نيسان 2018، في مزار "الرحمة الإلهيّة" في كراكوفيا. صلاتُها معنا، آمين.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة