🌟*تأمّل بانجيل اليوم*
--------------------
1. المرأة المنزوفة تأتي من وراء يسوع وتلمس طرف ثوبه، إيماناً منها أنها إذا فعلت تشفى من نزف دمها الذي عجز الأطباء عن إيقافه على مدى اثنتي عشرة سنة. هذا العدد يعني كمال الشيء، وهنا مطلقية عدم الشفاء. بعد مسيرة الموت سيكون لها بدء الحياة. جاءت من ورائه، لأن الشريعة كانت تعتبرها نجسة وتنجِّس مَن تلمسه فيعوزه الخضوع لفرائض التطّهر. كانت تمنعها من الاقتراب من الناس، وكم بالأحرى من يسوع المرسل من الله. اعتبر سفر الأحبار أن مَن يلمسها يكون نجساً، وإن لمست هي شيئاً يكون نجساً(أح 15: 19-20). "لمست طرف ثوبه": كان اليهود يضعون، من باب التقوى، في طرف ثوبهم خيطاً بنفسجياً يذكّرهم بالوصايا. ولذلك كان الهُدْبُ موضع إكرام(راجع عدد 15: 38-41). شعر يسوع بها فسأل: "مَن لمسني؟" بهذا السؤال أراد أن يجعل تلك التي كانت نكرة، بين جمهور الشعب المزدحم، معروفة من الجميع، إمتداحاً لإيمانها؛ وتلك التي كانت نجسة جعلها طاهرة، بعد أن شُفيت من نزفها. كانت لمستُها لمسةَ إيمان، ولذلك شعر بها يسوع، وتميَّزت عن لمسات الشعب المزدحم. النجسة لمست طرف ثوب القدوس فتنقّت وتقدَّست. هي لم تحمل النجاسة والموت ليسوع، بل هو بادلها الشفاء والحياة.
قال لها: "يا ابنتي إيمانك خلَّصك". عاملها يسوع بكثير من الحنان إذ سمّاها "يا ابنتي". لقد شفى جسدها وخلّص نفسها، بفضل إيمانها الكبير والواثق بيسوع. الإيمان نداء من قِبَل الرب، وجوابٌ من قبل الانسان. حيث يتواجد يسوع يكون حضوره نداءً. فالإيمان ينبع من شخصه وتعليمه وآياته. يبقى على الإنسان، الذي يراه أو يسمعه، أن يؤمن به ويأتي إليه طالباً ملتمساً، والرب يُلبّي، وهو الذي قال: "كل ما تطلبونه بإيمان يكون لكم"(مر 11: 24)، وفي موضع آخر: "المؤمن يستطيع كل شيء"(مر 9: 23). وأخيراً أطلقها: "إذهبي بسلام". لقد ملأها من سلامه أي من بركته وخلاصه. فالسلام هو ملء الحياة من المسيح الذي صار "هو سلامنا"(أف 2: 14).
2. باختصار علَّمنا يسوع ثلاثة في هذه الآية: إمتدح فعلة المرأة التي شاءتها سرّيّة وبعيدة عن الأنظار، إحتراماً ليسوع وللشريعة التي كانت تمنعها من التقرّب من الناس، ولم تشأ أن تُسبب أيَّ شكّ؛ صحَّح نظرتها سواء لجهة لمسها هدب ثوبه خفية، ولجهة اعتبار نفسها منبوذة منه بسبب مرضها؛ كشف إيمانها للجميع لكي يقتدوا به.
3. ترمز هذه المرأة إلى الطبيعة البشرية المعرَّضة للألم والموت المرموز إليهما بنزف الدم. إنَّ ما كان مستحيلاً على الأطباء الذين عالجوها مدة اثنتي عشرة سنة من دون جدوى، كان ممكناً امام قدرة يسوع(لو1: 37). بواسطة المسيح يتحرَّر الجنس البشري من آلامه وموته. يكفي أن "تلمسنا" كلمة انجيله عندما نسمعها ونقبلها في القلب، ونعمة أسراره التي نقبلها بإيمان ووعي. لمس طرف ثوبه ما زال متواصلاً عندما يلمس المؤمنون الأيقونات والصور والماء المبارك والصليب وذخائر القديسين والأواني والأمكنة المكرَّسة، ويلمسونها بإيمان، فيقبلون قدرة المسيح الشافية.
وترمز المرأة المنزوفة إلى نزف الايمان والأخلاق من جرّاء الجهل الديني للكتاب المقدّس وتعليم الكنيسة، ومن قلّة الممارسة الدينية للأسرار المقدّسة، ولاسيما منها سرّ التوبة وسر القربان وقدّاس الأحد، ومن قلّة الصلاة. ولذلك كثر الفساد وتفشَّت اللاأخلاقية، وانحطّت القيَم الروحية والإنسانية والاجتماعية.
(صفحة قلب مريم المتألم الطاهر)
تعليقات
إرسال تعليق