*لمحة عن حياة القديسة جيما غالغاني ، وأعجوبة القديس غابريال لسيّدة الأوجاع لها*
جيمّا غالغاني Gemma Galgani ( ١٨٧٨- ١٩٠٣)، من لوكا (توسكانا، إيطاليا).
نشَأت جيمّا في عائلةٍ تقيّةٍ مؤلّفة من ثمانية أبناء ، فَقدَت ثلاثةً منهم عن عُمرٍ صغيرٍ . ماتت أمّها بالسّل ، وهي لا تزال في السّابعة من عمرها .
تميّزت بجمالٍ راقٍ وفريد ، كما وبطهارةٍ ملائكيّةٍ ولطفٍ نحو الجميع ، إنّما أيضاً بحياةٍ صوفيّة ساميّةٍ . فكانت منذ الصّغر ترى ملاكها الحارس وتتحدّث إليه ، وغالباً ما كانت تستمتع بمشاهدة الرّب يسوع والعذراء مريم الكليّة القداسة .
لدى بلوغها العشرين من العمر ، أرادت عائلتها تزويجها بأحد الرّجال الشّرفاء . وإذ كانت قد كرّست حياتها وبتوليّتها للرّب يسوع ، راحت تصلّي إليه وتتوسّله أن يُبعِد عنها هذا الزواج .
ولكي يحفظها من كل شرّ ، سمَح الرّب بأن تُصابَ بالسّل الرّئوي . فعانت من إلتواءٍ في عَمودها الفِقَري ، وأوجاعٍ في كِليَتها… فتحمَّلت آلاماً قاسيةً رهيبةً…
في عزّ آلامها ، وقد أصبحت مَشلولةً كلّياً ، ظهَر ملاكها الحارس يُشجّعها قائلاً : "إذا كان يسوع يؤلم جسدكِ ، فلِكي يُطهّر روحكِ أكثر ؛ تحلَّي بالصَّبر".
وفي تلك الأثناء ، أَهدَتها إحدى الزائرات ، كتاب سيرة حياة القديس غابريال لسيّدة الأوجاع (كان لا يزال مُكرّماً في تلك الحقبة).
… وفي خِضمّ إرهاقها ، ووسط تجارب يأسٍ مريعة ، تراءى لها الشيطان قائلاً :
"إن سمعتِ لي أُنقذكِ من هذه العذابات ؛ أعيدُ لكِ صحّتكِ كُليّاً ، وأعطيكِ كلَّ ما يَحلو لكِ".
وما كان عليها إلّا أن تَستنجِد على الفور بالقديس غابريال ، وتصرُخ في وجه المُجرِّب : "الرّوح أَولى من الجسد". فإختفى إبليس !
ولكنّه لم يتأخّر عن العودة ثانيةً ليُحاوِل دفعها إلى اليأس والمثول لتجاربه .
أمّا هي فصرخت من جديدٍ إلى القديس غابريال ، راسِمةً إشارة الصليب . ففرّ الشيطان مُنهزِماً ، وإستعادَت المسكينةُ سَلامها ، وإتّحاداً أعظمَ بالرّب .
وبعد أن إختبرَت قوّة حِماية الأخ غابريال ، قرَّرت أن تتعرّف إليه ، وتقرأ سِيرة حياته .
“في اللَّيلة نفسِها ، (كَتبت جيما إلى مرشدها) ، بدأتُ بقراءة حياة الأخ غابريال . قرأتها مراراً وتكراراً من دون أن أكتفي ، مُنذهلةً بفضائله ومِثاله . من اليوم الذي أنقذَ نفسي حاميَّ الجديد ، بدأتُ أشعر نحوه بتعبّدٍ خاص . في المساء ، لم أستطِع أن أغفو إلّا وصورته تحت وِسادتي . ومنذ ذلك الحين ، لم يفارقني أبداً ؟ كأنّه فيَّ ، في فكري ، في كلّ عمل أزاوله".
"قديسُ السّماء هذا . ظهر لي في اللَّيلة التالية ، مُرتدياً ثوباً أبيضَ ، فلم أعلَم من هو . ثمّ فَتح رداءَه ، وجعلَني أرى ثوب الباسيونيست ، فعرفتُه على الفور . ثمّ سَألَني عن سَبب بُكائي عندما أعدتُ كتاب حياته . لم أدرِ بماذا أُجيبُه . ولكنّه قال لي : "تَحلَّي بالفضيلة . سأعود وأراكِ".
وبعد مَضيّ أشهرٍ عديدة ، لم تتحسَّن حالة المريضة المشلولة . وفي ٧ كانون الأول ١٨٩٨ ، أقبَلت لزيارتها راهبات القدّيس كاميلو ، اللّواتي كنَّ يأتينَ غالباً ليخدُمنَها . وكانت برفقتهنّ فتاةٌ صغيرةٌ ، لم تكن قد لبست الثوب الرهبانيّ بعد…فتأثّرت جيما لمظهرها الملائكيّ ، وقرّرت إقتفاء أثرِها . فوعدَت العذراء بدخول رَهبنتهِنّ ، إن هي شَفتها !
وفي المساء زارها مُرشدها ، ووافق على قرارها هذا ، كما على رغبتها في أن تنذُر العِفّة المؤبّدة . فطافَت نفسها بسلامٍ عميقٍ ، وقد إعترفت أيضاً بخطاياها .
وفيما هي تفتكر مُتشوّقةً كيف ستتكرّس كُليّاً ليسوع وأمّه في اليوم التالي ، الذي صادف عيد الحبل بلا دنس ، إستغرقَت في نومٍ هادئٍ . عندها ظهر لها الأخ غابريال ، يقول لها : "تَّممي نَذرِك في أن تصيري راهبة ، ولكن إكتفي بهذه الخطوة".
فتشهدُ : "لم أفهَم شيئاً من ذاك كلّه ، ولكي أشكره قمتُ بتقبيل ثوبه . عندها ، نَزع عن صَدره شارة القلب (شارة رهبنة الباسيونيست)، وقدَّمه لي لأقبّله ، ثمّ وَضعه على صَدري ، وهو يُردِّد عبارة : "يا أختي !ثمّ توارى".
وفي الصّباح التالي ، نذرَت جيما العفّة الدائمة . ولكن تلك الإنعامات الروحيّة ، لم تكن لتمنع قِواها عن الإنحلال أكثر فأكثر … فإضّطر الأطبّاء إلى إجراء عَمليّة إستِئصال وَرم الكُلَى ، وكَيّ الجِلْد على طول العمود الفقَري ، وكان ذلك عام ١٨٩٩ .
وبسبب قلقها الكبير على طهارتها ، رفَضت الطّفلة القديسة التخدير . فتحمّلت آلام العملية والكيّ بصبرٍ عجيبٍ ، غير أنّ كلّ ذلك لم يُجدِ نَفعاً . فإستفحل المرض ، وعاوَدها الخراج من جديد ، تصطحِبه آلامٌ وتشنّجاتٌ وصَرعٌ في الرّأس . فأعلَن الطّب عَجزه".

تعليقات
إرسال تعليق