*قدّيسون من وراء البحار -٤٣-* القدّيس يوحنّا الروسيّ *تُعيّد له الكنيسة في ٢٧ أيّار* وُلِد البارّ يوحنّا في جنوب روسيا، وانجذب نحو الله منذ طفولته. وخلال الحرب الروسيّة-التركيّة التي اندلعت سنة ١٧٧١، اعتقله التتر وأخذوه أسيرًا، ثمّ باعوه إلى ضابط خيالة تركيّ في بروكوبيون في آسيا الصغرى. وقد بذل الضابط التركيّ المسلم كلّ أنواع المحاولات لجعله يُنكر المسيحيّة. عاش يوحنّا، عبدًا للضابط، هذا كان يضربه ويهينه ويشدّد عليه ليصير مسلمًا، فكان ردّ يوحنّا الدائم أنّه لا شيء يفصله عن المسيح، وبقي ثابتًا في الإيمان ورفض التخلّي عن المسيح. فقال لسيّده إنّه سيخدمه بكلّ قوّته ولكنّه يُفضّل الموت على أن يترك إيمانه المسيحيّ. فَرَقَّقَ اللهُ قلبَ سيّده، فتركه يقوم بأعماله ولم يعد يحاول أن يجعله يُنكر مسيحيّته. وعاش يوحنّا في الإسطبل حيث صار يهتمّ بالأحصنة وهو يصلّي. وكان يحفظ المزامير باللغة السلافونيّة (الروسيّة القديمة) ويردّدها عن ظهر قلب. ومع الوقت أحبّه سيّده وزوجته لطيبة قلبه ولطافته وعمله الدؤوب، فعرضا عليه أن ينتقل للعيش في حجرة صغيرة ليحظى براحة أكبر. ولكنه فضَّل أن يُتابع حياته وسط الحيوانات. وتابع أسهاره وصلواته رافعًا يديه إلى الله ومُقدِّمًا له حياتَه الطاهرة ذبيحةً. وكثيرًا ما كان يرتادُ كنيسة القدّيس جاورجيوس المحفورة في الصخر، بقرب منزل معلّمه. وكان يتناول القربان المقدّس بتواتر. وازداد غِنى سيّده وأصبح شخصًا مرموقًا في الدولة العثمانيّة. ثمّ سافر في أحد الأيّام إلى الحجّ، وَدَعَتْ زوجته بعض الأصدقاء إلى البيت لكي يصلّوا من أجل رجوعه سالمًا. وقد حضَّرت الزوجة طبقًا من الأرزّ، فطلب يوحنّا صحنًا من الأرزّ من أجل سيّده. فأعطوه صحنًا وهم يظنّون بأنّه سوف يتناوله بنفسه أو يتصدّق به على الفقراء، على حسب عادته. ولكنّ يوحنّا صلّى، فانتقل الصحن وهو ساخن إلى سيّده. وعندما عاد السيّد أكّد حصول هذه المعجزة العظيمة على يد القدّيس يوحنّا. ثمّ مرض القدّيس يوحنّا وأحسّ بقُرب أجَله، فأرسل أحد معارفه إلى كاهن القرية يطلب منه إحضار الأسرار إليه لأنّه على فراش الموت. ولكن الكاهن خاف أن يدخل إلى البيت حاملاً القربان المقدّس لئلّا يغيظ الأتراك فيُسيئوا إليه، فوضعه داخل تفاحة. وهكذا تناول القدّيس يوحنّا الروسيّ جسد الربّ ودمه الكريمَين ثمّ مات بعد وقت قصير في 27 أيار 1730 وهو يبلغ الأربعين من العمر، وبقي جثمانه سليمًا. هذا وتُعزى إلى القدّيس يوحنّا عجائب جمّة لا زالت تجري إلى اليوم. من ذلك أنّه في العام 1832 اجتاح العسكر التركيّ بروكوبيون ونهبوا المنازل وجرَّدوا كنيسة القدّيس جاورجيوس من الأواني الثمينة والتقدمات. ولمّا عاينوا تابوت القدّيس يوحنّا فتحوه ظانيّن أنّ في داخله ذهبًا. وإذ لم يجدوا شيئًا سوى الجسد جمعوا خشبًا وقشًّا وأوقدوا نارًا عظيمة في ساحة الكنيسة ورموا الجسد في النار. وفيما هم يتلهّون حول النار انتصب القدّيس فجأةً وسط النار وكأنّه عاد حيًّا. وكانت ألسنة النار تحيط بالجسد ولا تحرقه. فلمّا رأى العثمانيّون ذلك فرّوا هاربين تاركين وراءهم كلّ ما سرقوه من الكنيسة. فلمّا كان اليوم التالي جاء مؤمنون وأعادوا الجسد الذي لم يتأثّر بالحريق إلى التابوت. في تابوت صغير، يمكن رؤية جثمان القدّيس يوحنّا الروسيّ الذي لم يتحلّل، هذا التابوت الذي هو نبع عجائب تتدفّق من بقاياه دون انقطاع. فهذا القدّيس مُدافع قويّ عن الضعفاء والمرضى والمتروكين في هذه الحياة. حتّى سنوات قليلة خَلَتْ لم يكن القدّيس يوحنّا الروسيّ معروفًا في روسيا رغم أنّه كان مُكرَّمًا جدًّا في اليونان، إذ كان موطنه الأصليّ تحت نير الملحدين. ثمّ انتشر تكريمه منذ سنوات في العالم أجمع بسرعة البرق. ومن كانوا في السابق عبيدًا يجدونه قدّيسًا قريبًا من أسلافهم العبيد لأنّه كان هو الآخر عبدًا. صلاتُهُ معنا، آمين!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة