*قدّيسون من وراء البحار -١١-* القدّيس اسطفانوس أسقف برم الروسيّة ‏(Saint Stéphan de Perm) *تُعيّد له الكنيسة في ٢٦ نيسان/أبريل* وُلد سنة 1340م. انتقل والدُه إلى موسكو. هناك أبدى اسطفانوس طاقات علميّة فذّة. صار قارئًا ومُرتِّلًا في الكنيسة مُتأثِّرًا بمثال والده، وكان مُتعطّشًا إلى سيرة القداسة. انضمّ يافعًا إلى دير القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ في روستوف حيث تلقّن اليونانيّة وانكبّ على دراسة الكتب المقدّسة وتعلُّم رسم الأيقونات. وكلّما تناهى إليه ذِكر أحد الحكماء كان يُسارع إلى المكوث بجانبه لينتفعَ من خبرته. ما أنْ سيمَ شمّاسًا حتّى تَنامَتْ في نفسه الرغبة في التخلّي عن الدرس والتمتّع بالأمان في الدير لكي يحملَ نور الإنجيل إلى "الزريان" وهي قبيلة وثنيّة تُقيم في أرض "برم". فانتقل إلى "برم" مُتّكِلًا على العناية الإلهيّة. لم ينجح، أوّل الأمر، إلّا قليلاً. تمكّن من تعميد عدد قليل من الوثنيّين. هؤلاء بنى لهم كنيسة تحمل اسم "سيّدة البشارة"، ثمّ، بعد ذلك، ديرًا بجانبها. أكثر السكّان بَقِيَ مُعادِيًا له حتّى أنّهم حاولوا قتله. لكن العناية الإلهيّة حفظته وتابع عمله بصبرٍ وثبات. ذات يوم بعدما رفع الصلاة إلى الربّ الإله لكي يجمع إلى حظيرته الخراف الضالّة، توجّه إلى الهيكل الوثنّي، مُحرَّكًا بالغيرة الإلهيّة، وأضرَمَ فيه النار بعدما قَلَبَ الأصنام. ثمّ وقف بقرب الخراب ينتظر بهدوء. وإذا بالوثنيّين يبلغون المكان غاضبين وهم مُستعدّون لقتله، فهتف: "أللهمّ، في يدَيكَ أستودعُ روحي. إحفظني تحت جناحَي صلاحك!". للحال، وبطريقة عجائبيّة، توقّف البرابرة واستحال سخطهم وداعة حتّى أنّ القدّيس تَوَجَّهَ إليهم قائلًا: "متى تُقلِعون عن المخاتلات الشيطانيّة وتَقُونَ أنفسَكم الدينونة والنار الأبديّة؟ لو كانت هذه الأوثان آلهة حقيقيّة لكان بإمكانها أن تُخمِدَ الحريق وتعاقب مُسبِّبَها! لذلك أقول لكم دَعُوا عنكم هذه الخرافات الحمقاء واعترفوا بالإله الحيّ الحقيقيّ وحدَه. فإذا آمنتم واقتَبلتُم المعموديّة المقدّسة خَلَّصتُم أنفسَكم وورِثتم ملكوت السماوات، وإذا لم تؤمنوا أُدِنْتُم لعذابٍ أبديّ!". اقتنع الوثنيّون بكلام القدّيس وأخذ عدد المؤمنين، مذ ذاك، يزداد إلى أن استنارت تلك الناحية، برمّتها، بنعمة الإنجيل. أمّا القدّيس فكان يتبعه المستنيرون حديثًا من مكانٍ إلى مكان، حيثما كانت هناكَ أوثان، فيقلبونها ويُضرِمون فيها النيران مع التقدمات التي رفعها الوثنيّون إليها. وقد بنى القدّيس للمؤمنين الجدد كنيستَين جديدتَين، ورسم بيده الأيقونات لتزيّن الكنيستَين. وأخذ يعلّم الناس قراءة كتاب الساعات والمزامير وبقيّة الكتب الكنسيّة. كما شَرعَ في إعداد شبّان لرتبة الشمّاسيّة والكهنوت، من بين تلاميذه، ليعطي الكنيسة الناشئة رجالًا مَحليّين يخدمونها. ورغم النجاحات التي حقّقها رجل الله، فإنّ ساحرًا، اسمه "بام"، جهد ليستعيد شعب "برم" إلى الوثنيّة. وقد أتى، لهذا الغرض، بخدع أَوحَت له بها الأبالسة. ولمّا كان يقاوم القدّيس علانيةً، تحدّاه ليُثبت أيًّا هو الإيمان الصحيح. فقبل القدّيس العرض وأن يكون الامتحان بالنار. فبعدما رفع اسطفانوس صلاةً حارّة إلى الربّ الإله دعا مُتحدّيه، بهدوء وثقة، إلى الدخول سويّةً في النار واليد باليد. وإذ تقدّم إلى النار المُتّقِدة، شدّ الساحر بيده وقد أصابه الهلع وأخذ يصيح أنّه لا يريد أن يُحرَق حيًّا. فقال له القدّيس: "ألستَ أنت من اقترح ذلك لتجرّب الإله الحيّ، فما بالكَ تتراجع الآن؟" فاعترفَ الساحر بخطئه. فسأله رجل الله: هل تؤمن وتعتمد بما أنّك انغلبت؟ فلم يشأ. في تلك الأثناء تعالت صيحات الجموع مُطالِبَةً بإعدام "بام"، فلم يوافقهم اسطفانوس مُذكِّرًا إيّاهم بوداعة يسوع ومحبّة الأعداء. فقط اكتفى بطرده من المنطقة حتّى لا يتسنّى له، من بعد، أن يُفسد عبادَ الله. وتضاعف عدد المؤمنين المهتدين لدرجة بَدَت معها الحاجة إلى اختيار أسقف عليهم مُلحّة. خيار المسؤولين في موسكو وقع على القدّيس نفسه فَسِيمَ أسقفًا عام 1383. عاد إلى برم بهمّة مُضاعَفة وانكبّ على التعليم والتعميد وتأسيس الكنائس ورسم الأيقونات وسيامة الكهنة وإقامة المؤسّسات. كما بنى أديرة واعتنى بالفقراء وتعزية المضنوكين. ولمّا ضربت الناحية المجاعة اهتمّ باستقدام القمح من الخارج وتنظيم توزيعه على الناس بالمجّان. تابع القدّيس اسطفانوس سعيه إلى النهاية. ولمّا دنت ساعته، شدّد المؤمنين وزوّدهم بإرشاداته وارتحل إلى موسكو. وما أنْ وصلها حتّى رقد بالربّ في 26 نيسان 1396 م. يجمع القدّيس اسطفانوس بين الكنيستين الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة، فقد أعلنته الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة قدّيسًا سنة 1549، وتبنّت الكنيسة الكاثوليكيّة هذا الإعلان، وأحْصَتْ اسمه بين عداد القدّيسين. تُعيّد له الكنيسة الكاثوليكيّة في ذكرى رقاده في 26 نيسان، وأمّا الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة، فتُعيّد له في التاسع من أيّار. صلاته معنا، آمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة