الصوم النباتي، هل له جذور في الكتاب المقدس، أم هو من اختراع الكنيسة الأرثوذكسية؟ بادئ ذي بدء، ما أريد التأكيد عليه هو أن الصوم في الكنيسة الأرثوذكسية ليس مجرّد "طعام نباتي" نَعكف على تناوله في أوقاتٍ محدّدة من السنة، ولا يُختَزَل معنى الصوم ومفهومه في تغييرٍ يطرأ على نظامنا الغذائي المعتاد، مع أن هذا جانبٌ هامٌّ وضروريّ منه، بل الصوم هو أعمق من ذلك بكثير، إذ هو زمان التوبة الذي فيه يتكثّف الجهاد الروحيّ لنعود الى ذواتنا والى الرب والقريب، ونسعى لأن ننفتح أكثر على عمل الروح القدس فينا، عبر تنقية القلب وضبط حواسّ النفس والجسد وتهذيبها وتطويعها لعمل النعمة الإلهية. ولكن اذا ما أردنا تسليط الضوء بعض الشيئ على جانب "النظام الغذائي" الذي نعتمده كأرثوذكسيين في أوقات الصوم، وهو ما قد تسلّمناه في التقليد المقدس من الرسل والآباء القديسين، يأتينا بعض الذين يدّعون أنهم "انجيليين" لا يُقرّون ولا يعترفون سوى بالكتاب المقدس مَرجعاً وحَكَمَاً في أي ممارسةٍ مسيحيّة، كان من اللزوم تناول هذا الموضوع على ضوء الكتاب الالهيّ وتأكيد أصالة التقليد الأرثوذكسيّ المتجذّر في أعماق الأسفار الالهية. الله خَلقَ الانسان منذ البدء "نباتياً": ++++++++++++++++++++++ لم يكن أبوينا الأولين آدم وحواء في الفردوس الأرضيّ يأكلان سوى النباتات، أي البقول والثمار: "إنّي قد أعطيتُكم كل بقلٍ يُبذرُ بذراً على وجه كلّ الأرض، وكلّ شجرٍ فيه ثمرٌ يُبذرُ بذراً، لكم يكونُ طعاماً" (تكوين 1: 29). بل حتى الحيوانات في بدء الخليقة كانت نباتيّة أيضاً، إذ قال الرب: "ولكلّ حيوانِ الأرض وكل طير السماء، وكلّ دابّةٍ على الأرض فيها نفسٌ حيّة، أعطيتُ كلّ عُشبٍ أخضر طعاماً" (تكوين 1: 30). وبعد سقوط الإنسان وطرده خارج الفردوس، بقيَ طعامهُ أيضاً نباتياً، ولكنه الى جوار البقول وثمار الأرض، أُعطيَ أن يأكل من عشب الأرض، أي من الخضراوات، فقال له الرب بعد السقوط: " وتأكلُ عُشبَ الحقول" (تكوين 3: 18). التصريح بأكل اللحوم جاء بعد الطوفان: ++++++++++++++++++++++++ بعدما تزايد شرّ البشر على الأرض وكثُرَ معهم الفساد، جاء الطوفان العظيم الذي أغرقَ العالم، ولم ينجو سوى نوح البارّ وامرأته وأبناؤه الثلاثة مع نسائهم الذين دخلوا الفُلك مع الحيوانات (تكوين 6: 5، 6). وهكذا وبعد نهاية الطوفان ورُسوّ الفُلك على جبل أراراط، قال الله لأبينا نوح البارّ وبَنيه: "كلّ دابّةٍ حيّة تكونُ لكم طعاماً، كالعشب الأخضر، دفعتُ إليكم الجميع، غيرَ أن لحماً بدمه لا تأكلوه" (تكوين 9:3،4). إذن، فالسماح بذبح الحيوانات وأكل لحومها جاء لاحقاً، أي بعد لعنة الطوفان التي حلّت بالأرض والكائنات الحيّة التي عليها. الرب أطعمَ شعبه في البريّة طعاماً نباتياً: +++++++++++++++++++++++++ بعدما أخرج الرب شعبه من أرض مصر، وقادهم في بريّة سيناء واعتنى بطعامهم وشرابهم، أعطاهم أن يتناولوا المَنّ: "وَهُوَ كَبِزْرِ الْكُزْبَرَةِ، أَبْيَضُ، وَطَعْمُهُ كَرِقَاق بِعَسَل" (خروج 16: 31). وكان الشعب يلتقطونه ويطحنونه أو يدقّونه في الهاوِن، كما كانوا أيضاً يَطبخونهُ في القدور ويعملونه أقراص، وكان طعمه كطعم قطايف بزَيت (عدد8:11). ولمّا سمحَ لهم الله بأكل اللحم، كان ذلك التصريح بسبب شَهوتِهم وتذمُّرهم على طعام المنّ "النباتي" وطلبهم اللّحم بدموع الشهوة، متذكرين قدور اللحم التي كانوا يأكلونها في مصر قبل خروجهم منها، فأعطاهم الرب حسب شَهوتهم، وضَربهم ضربةً عظيمة "وإذ كان اللّحمُ بعدُ بين أسنانهم قبل أن ينقطع، حَمِيَ غضبُ الرب علي الشعب، وضَربهم ضربةً عظيمة جداً، فدُعي اسمُ ذلك الموضع "قبروت هتأوة" (أي قبور الشهوة) لأنهم هناك دفنوا القوم الذين اشتهوا" (عدد11، 33، 34). الأكل النباتي كان طعام دانيال النبي والفتية الثلاثة: ++++++++++++++++++++++++++++++++ هؤلاء القديسين لمّا كانوا مع العبرانيين المجلّوين في أرض بابل، كانوا يأكلون القطانيات أي البقول فقط (دانيال 1:12)، وهؤلاء الذين وَضعوا في قلوبهم ألاّ يَتنجّسوا بأطايب الملك ولا بِخمرِ مَشروبه (دانيال 10: 3)، ونرى أن أجسادهم ظهرت أسمن من سائر الذين تناولوا من أطعمة الملك. دانيال النبيّ يصوم عن اللحم والخمر والزيت: +++++++++++++++++++++++++++++ "في تلك الأيام أنا دانيال كنتُ نائحاً (صائماً) ثلاثة أسابيع من الأيام، فلم آكُل طعاماً شهيّاً ولم يدخُل فمي لحمٌ ولا خَمرٌ ولم أدّهِن بدُهنٍ (زيت) الى تمام ثلاثة أسابيع الأيام" (دانيال 2:10). وهنا نرى بوضوح أن الامتناع عن اللحم والخمر والزيت هو من مميّزات الصوم والتقشُّف والتذلُّل أمام الرب بحسب فكر الكتاب المقدس. داود النبي يُشير في صومِه أنه منقطعٌ عن الزيت: +++++++++++++++++++++++++++++++ "ارتَعَشَت رُكبتايَ من الصّوم، وتغيَّرَ جَسدي من حاجَتِه الى الزيت" (مزمور24:108). إذن، فالصوم عن الزيت أيضاً له جذور في الكتاب المقدس، وهو يأتي ليضع الصوم في مستوى أعلى من النسك والتقشف، فيقتصر على الطعام الجاف. حزقيال النبيّ يصوم على الطعام النباتي: +++++++++++++++++++++++++ وفعل ذلك بأمرٍ إلهيّ، إذ قال له الرب: "وخُذ أنتَ لنفسكَ قمحاً وَشعيراً وفولاً وعدساً ودُخناً وكرسنّة، وضعها في وعاءٍ واحد واصنعها لنفسك خُبزاً كعدد الأيام التي تتكئُ فيها على جنبك، ثلاث مئة يوم وتسعين يوماً تأكلُهُ" (حزقيال 4:9). وهنا نلاحظ تحديد نوع الأطعمة المستخدمة طيلة فترة صومه وهي البقوليات على اختلافها. ما الحكمة من الأكل النباتي في الصوم؟ +++++++++++++++++++++++++ 1. الصوم النباتي في الإطار الكتابي والمنظار اللاهوتيّ، يأتي تعبيراً عن شوق الانسان وعطشه للعودة الى الحياة الفردوسيّة، والحالة التي خُلقَ عليها منذ البدء، اذ كان عائشاً في حالةٍ من السلام والمصالحة مع ذاته ومع الله خالقه ومع الطبيعة والمخلوقات الأخرى، لا يأكلُ دماً ولا لحماً، ولا يضطرّ الى قتل الحيوانات والطيور من أجل أكلها. 2. من المعروف أن الطعام الذي يتناوله الانسان عموماً، يؤثّر على جسده وطِباعِهِ وتصرُّفاته، حيث أن الانسان النباتيّ يكون بشكلٍ عام هادئ الأطباع، ومن الناحية العلميّة هو انسانٌ أفضل في الصحّة العَصبيّة والنفسيّة وأطول عُمراً، بينما الأشخاص اللّذين يَرتكزون في غذائهم على الطعام الحيوانيّ أكثر من الطعام النباتي، يكونون اجمالاً متحرّكين للغضب ويميلونُ الى العنف وتلبية الغريزة الجسديّة أكثر من غيرهم، وذلك سببه أن كثرة المآكل الفائضة عن الحاجة الطبيعية المطلوبة، وخاصّة تلك التي مصدرها المنتوجات الحيوانية، تُحرّك الشهوات والانفعالات الغريزية في الانسان، وتؤثر على صفاء الذهن وتركيزه، حيث يصبح لدى الانسان مخزونٌ فائض من الطاقة التي ينبغي اخراجها وتصريفُها! اذ هناك ارتباطٌ وثيق بين طاقة الانسان وما يصدُر عنه من أفعال، فالأشدّاء ذوي الأجساد البدينة مثلاً، هم أكثر قابلية للغضب والعنف وأكثر انفعالاً من الناحية الغرائزيّة، لأنهم يحتفظون في أجسادهم بمخزونٍ كبير من الطاقة أكثر مما يلزم للحاجات الطبيعية. وفي المقابل فانّ الذين يعتمدون على الطعام النباتي تكون أجسامهم أخفّ وألطف وطِباعهم أكثر رِقَّة وشفافية وذهنُهُم أكثر صَحوة وتوقٌّداً. كما أنّ الطعام الحيواني يحتوي على نِسبٍ عالية من الدهون التي تؤثر تأثيراً مُباشراً على الغُدّة النُخامية في الجسم، والمسؤولة بدورها عن زيادة افراز هورمونات الذكورة أو الأنوثة، الأمر الذي يُساهم بالتأثير في سيطرة الانسان على غرائزه وتهذيبها وتوجيهها بما يتوافق مع روحانية الصوم والغاية منه. أرغب مجدداً في التأكيد على أننا لا نحيا حرفيين كما نرى عند البعض وعلى الأخصّ المُتشدّدين الواقعين تحت سُلطان الحَرف والروح الفِرّيسيّة، بمعنى لو أنّ المسيحي الأرثوذكسي أكل مع شخص غير صائم عن اللحم أو الزيت يقوم بثورة وكأنه شرٌّ ومعثرة! أو فيما لو أنه مثلاً أكل شيئاً واكتشف بعد برهة انّ فيه ما هو افطاريّ يَشعُر بالذنب وتأنيب الضمير وكأنّ صيامه قد ضاع ويَحزن وكأنه خسر ملكوت الله والحياة الأبدية!! وأختم بكلمات القديس بولس الرسول: "لأن ملكوت الله ليس أكلاً و شُرباً بل هو برٌّ وسلامٌ وفرحٌ في الروح القدس" (رومية 14 : 17) وليس معنى هذا أن لا نصوم حسب تقليد الكنيسة الأرثوذكسية، وتسليم الآباء القديسين، بل علينا واجب أن نحفظ الصوم بالتزامٍ واحترامٍ ومحبّة صادقة ووعيٍ ونُضجٍ روحيّ في تقوى ووقار، ولكن من المُهمّ جداً الى جانب الصوم الجسديّ، أن نُركّز على المعنى الروحي للصوم وليسَ لمجرّد حفظ الحرف، "لأن الحَرف يقتُل أمّا الروح فيُحيي" (2 كورنثوس 6:3) لذلك ومع أهميّة وضرورة الصوم الجسدي، لنحذر جداً من أن نحصُر الصوم ونختزله في صورة أكلٍ وشُرب ونتقيّد بحرفيّتها وننسى التوبة وتغيير أذهاننا، وعمل المحبّة والرحمة نحو القريب، أو نُهمل الغذاء الروحي بقراءة الكتاب المقدس وعظات ومؤلّفات الآباء القديسين الروحيّة في هذا الزمن المبارك، والتي من شأنها أن تُنير العينين، وتُنقّي القلب والذهن، وتُعطي راحة داخلية وسلاماً قلبياً، بالاضافة الى تقدّمنا المستمر للاشتراك في تناول جسد الرب ودمه المُقدّسين، اللذان هما غذاؤنا الجوهري والحقيقي. إعداد: الأب رومانوس حداد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة